الغزالي
72
إحياء علوم الدين
التي تحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سر القلوب ، فلا تكون إلا محاكية للصفة وموافقة لها ، لأن الصورة في عالم الملكوت تابعة للصفة وموافقة لها . فلا جرم لا يرى المعنى القبيح إلا بصورة قبيحة . فيرى الشيطان في صورة كلب وضفدع وخنزير وغيرها ، ويرى الملك في صورة جميلة ، فتكون تلك الصورة عنوان المعاني ، ومحاكية لها بالصدق . ولذلك يدل القرد والخنزير في النوم على إنسان خبيث ، وتدل الشاة على إنسان سليم الصدر وهكذا جميع أبواب الرؤيا والتعبير : وهذه أسرار عجيبة ، وهي من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذكرها بعلم المعاملة ، وإنما المقصود أن تصدق بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب ، وكذلك الملك ، تارة بطريق التمثيل والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم ، وتارة بطريق الحقيقة . والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى ، هو مثال المعنى ، لا عين المعنى إلا أنه يشاهد بالعين مشاهدة محققة وينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حوله كالنائم بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب وهمها وخواطرها وقصودها وما يعفى عنه ولا يؤاخذ به اعلم أن هذا أمر غامض . وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة ، يلتبس طريق الجمع بينها ، إلا على سماسرة العلماء بالشرع . فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ 1 ] « عفى عن أمّتى ما حدّثت به نفوسها ما لم تتكلَّم به أو تعمل به » وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الله تعالى يقول للحفظة إذا همّ عبدي بسيّئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها سيّئة وإذا همّ بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا » وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين . وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة . وفي لفظ آخر ، « من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة »